الغزالي
79
إحياء علوم الدين
وصواعقها ، وشهبها ، وعواصف رياحها . فهذه هي الأجناس المشاهدة من السماوات والأرض وما بينهما . وكل جنس منها ينقسم إلى أنواع ، وكل نوع ينقسم إلى أقسام ، ويتشعب كل قسم إلى أصناف ، ولا نهاية لانشعاب ذلك وانقسامه في اختلاف صفاته وهيئاته ومعانيه الظاهرة والباطنة . وجميع ذلك مجال الفكر فلا تتحرك ذرة في السماوات والأرض من جماد ، ولا نبات ، ولا حيوان ، ولا فلك ، ولا كوكب ، إلا والله تعالى هو محركها ، وفي حركتها حكمة ، أو حكمتان ، أو عشر ، أو ألف حكمة ، كل ذلك شاهد لله تعالى بالوحدانية ، ودال على جلاله وكبريائه ، وهي الآيات الدالة عليه وقد ورد القرءان بالحث على التفكر في هذه الآيات ، كما قال الله تعالى * ( إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ ) * « 1 » وكما قال تعالى * ( ومن آياتِه ِ ) * « 2 » من أول القرءان إلى آخره ، فلنذكر كيفية الفكر في بعض الآيات [ الفكر في خلق الإنسان أعظم عظة ] فمن آياته الإنسان المخلوق من النطفة . وأقرب شيء إليك نفسك ، وفيك من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره ، وأنت غافل عنه فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها ، كيف تطمع في معرفة غيرك ! وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال * ( وفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * « 3 » وذكر أنك مخلوق من نطفة قذرة فقال * ( قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ُ من أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ من نُطْفَةٍ خَلَقَه ُ فَقَدَّرَه ُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ ثُمَّ أَماتَه ُ فَأَقْبَرَه ُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَه ُ ) * « 4 » وقال تعالى * ( ومن آياتِه ِ أَنْ خَلَقَكُمْ من تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) * « 5 » وقال تعالى * ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً من مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ) * « 6 » وقال تعالى * ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ من ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناه ُ في قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * « 7 » وقال * ( أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه ُ من نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * « 8 » وقال * ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ من نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ) * « 9 » ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما فقال تعالى
--> « 1 » آل عمران : 190 « 2 » الروم : 25 « 3 » الذاريات : 21 « 4 » عبس : 17 - 22 « 5 » الروم : 20 « 6 » القيامة : 37 ، 38 « 7 » المرسلات : 20 - 22 « 8 » يس : 77 « 9 » الدهر : 2